القانون الجنائي الجزء الرابع

           I.      تبويب المجموعة الجنائية:
يكتسي تبويب المدونات الجنائية عامة أهمية خاصة فإضافة لكونه تقنية تسهل فهم المدونة والرجوع إليها وتطبيقها فإنه يعكس التوجهات التي تقوم عليها إضافة إلى سلم القيم السائدة وسلم العقوبات المعتمدة لذلك.
وهكذا فالمجموعة الجنائية إذ بدأت ببعض المبادئ العامة تدور حول مبدأ شرعية التجريم والجزاء ومبدأ إقليمية القانون الجنائي خصصت الكتاب الأول للعقوبات والتدابير الوقائية (الجزاء الجنائي) وفصلته إلى جزء I للعقوبات و جزء II للتدابير الوقائية، أما الكتاب II فخصصته لتطبيق العقوبات والتدابير الوقائية وفصلته الجزء I في الجريمة وجزء II المحرم أما الكتاب III والأخير فخصصنه للجرائم المختلفة وعقوباتها.
فالمبادئ العامة ومقتضيات الكتاب I و IIتدخل فيما يعرف فقها القانون الجنائي العام, لكون الأمر يتعلق بأحكام عامة تطبق على سائر الجرائم ومرتكبيها والجزاءات المقررة لذلك، وهي التي ندرسها في مادة القانون الجنائي العام هذه السنة.
وبالرغم ما يمكن ملاحظته بخصوص عدم منطقية تبويب الكتاب I و II,إذ نرى أنه من المنطق البدء بالكتاب II , فضلا عن قلة المبادئ المعلنة في بداية المجموعة الجنائية، فإن القسم العام المكون من مضمون الكتابين يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى ما ينطوي من مبادئ عامة تسري على الجرائم والجزاءات المقرر لها سواء تضمنتها مجموعة جنائية أو نصوص خاصة ما لم يقع النص على مخالفتها لذلك يمكن اعتبارها بمثابة النظرية العامة للقانون الجنائي بل إن بعض الدول تحرص على إعلاء تلك المبادئ بتأكيدها في دساتيرها

الفصل الأول : الجريمة
تكتسي دراسة الجريمة في القانون الجنائي بصفة خاصة إذ يمكن الحديث عن مسؤولية جنائية وما يتبعها من آثار جناية دون وجود مسبق للجريمة.

والجريمة إضافة إلى مفهومها الديني باعتبارها ذنبا أو خطيئة يمكن مقاربتها من زوايا مختلفة.
                  1-   الجريمة مفهوم اجتماعي:
تفيد الإضرار بمصالح المجتمع أو تعريضها لخطر الإضرار فالجريمة في هذا المعنى تعني العدوان  أو التمرد على نظام المجتمع, ووفق علم الإجرام فهي انحراف عن نظام المجتمع وهي بهذا تأخذ مذلولا واسعا ومرنا بالنظر لمرونة نظام المجتمع نفسه ونسبيته في الزمان والمكان, ويترتب عن ذلك أن المجتمع يتضرر من الجريمة بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا ما يبرر حقه في الدفاع عن نفسه.
                 2-   الجريمة مفهوم قانوني:
وفي هذا المعنى، فليس كل سلوك يلحق ضررا بالمجتمع أو يهدد مصالحه يحقق الجريمة, بل يتوقف وجودها على تعارض ذلك السلوك مع قاعدة قانونية تضفي عليه صفة التجريم وتحدد رد الفعل القانوني عليه, وهكذا تأخذ الجريمة هنا مفهوما ضيقا، وله طابع شكلي يقف عند تعارض سلوك معين مع القاعدة الجنائية, فالسلوك الضار بالمجتمع لا يحقق الجريمة ما لم يخالف تلك القاعدة, فالقانون هو الذي يحدد السلوك المعتبر جريمة صراحة أو ضمنا بتحديد الجزاء الجنائي المترتب على ارتكابه. فالجريمة وفق هذا المفهوم تمتاز بالتحديد من قبل القانون, مما يمكن من تفادي التعسف من قبل السلطات المكلفة بالعدالة الجنائية, وفي هذا حماية كبيرة للفرد وإن كان لا يحمي المجتمع من كل سلوك يضربه.
               3-   إمكانية الجمع بين المفهومين:

إن المفهوم القانوني الضيق للجريمة تفرضه عدة اعتبارات أهمها حماية الحرية الفردية من خطر التعسف، وهذا ما أدى إلى ترسيخ مبدأ شرعية التجريم والعقاب في القانون الجنائي, ومع ذلك فإن القانون لا يتدخل ليجرم سلوكا دون آخر إلا مراعاة للقيم السائدة في المجتمع والحقوق والحريات التي يهددها ذلك السلوك, والتجريم إذا كان يشكل قيدا على حرية الفرد فإنه يجب أن يجد ما يبرره من المصلحة العامة التي تعلو مصلحة الفرد، لذلك تجريم سلوك يبرره ما يحدثه من اضطراب اجتماعي في شكل ضرر أو خطر الإضرار بالمجتمع أو بالمصالح الأساسية, كما يقدر ذلك المشرع باعتباره ممثلا للأمة، وبذلك تتضح العلاقة بين المفهوم الاجتماعي والقانوني للجريمة.لكن يجب مراعاة البعد الإنساني للجريمة.
                   4-   الجريمة واقعة إنسانية:
فالجريمة من زاوية جانبها المادي هي سلوك صادر عن الإنسان مما يميزها عن الوقائع الطبيعية أو التي هي من فعل الحيوان, بعد تجاوز القانون الجنائي مرحلة مسؤولية الجماد والحيوان وتوقفه عند مسؤولية الإنسان عن أفعاله, والإنسان المتمتع بالإرادة والتمييز، فالإرادة تميز السلوك الإنساني وتجعل فعله (إيجابي أو سلبي) محل اهتمام القانون الجنائي لكن الإرادة والتمييز لا يعتد بهما ما لم تقترنا بواقعة لها أثرها في العالم الخارجي,فيقع الجمع بين الجانب المادي والمعنوي للسلوك, لكن السلوك الإنساني بهذا المعنى لا يعتد به القانون الجنائي ما لم يخالف قاعدة جنائية بأن طابق نموذجا تجريميا محددا. فالقيام بالواجب يقتضي توخي الشخص على قدرة جسدية ومعنوية معا.

       وهكذا نلاحظ أن الجمع بين تلك الأبعاد له انعكاس في المجموعة الجنائية إذ جاء في فصلها الأول (يحدد التشريع الجنائي أفعال الإنسان التي يعدها جرائم بسبب ما يحدثه من اضطراب اجتماعي، ويوجب زجر مرتكبيها بعقوبات أو تدابير وقائية.
كما جاء في الفصل 110 ( الجريمة هي عمل أو امتناع مخالف للقانون الجنائي ومعاقب عليه بمقتضاه ) فمن خلال ذلك نلاحظ الأركان العامة الضرورية للوجود القانوني للجريمة:
فلا بد من وجود قاعدة قانونية تحدد السلوك في جانبه المادي والنفسي المعتبر جريمة بشكل  عام ومجرد ، ويصطلح عادة على الركن ، الركن القانوني أو الشرعي ، أما الجانب المادي الضروري ، فيصطلح عليه الركن المادي، وقد درج الفقه السائد على اعتبار الجانب النفسي ركنا معنويا للجريمة مع اختلاف حول مضمونه، كما نشير إلى وجود تيار فقهي يلقى بما يعد ركنا قانونيا، حسب الرأي السائد خارج أركان الجريمة (المحاضرة).
وتعتبر تلك الأركان عامة أي ضرورة للوجود القانوني لكل جريمة ، وهي بهذا تختلف عن مفهوم ظروف الجريمة ، فهي عناصر إضافية لا تؤثر على وجود الجريمة ، بل على درجة جسامتها  ودرجة الجزاء المقرر لها تشديد أو تخفيفا أو إعفاءا.

وفي ما يلي نتعرض للأركان 

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

نطاق تطبيق القانون الجنائي من حيث المكان والأشخاص

القانون الجنائي الجزء2: أهم المدارس الجنائية